أبي منصور الماتريدي
274
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
هذا على التأويل الذي قيل في قوله : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي : يعمكم ويجمعكم ؛ أي : ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد « 1 » والميثاق - أنه يسرق ؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك . ويحتمل : وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وقت ما أخرج المتاع من وعائه ؛ واتهم أنه سرق ، أو لم يسرق ، أو هو وضع الصاع في رحله ، أو غيره وضع أي : ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا ؛ وإلا لم نخرجه معنا . وقوله - عزّ وجل - : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها . أي لو سألت أهل القرية وأهل العير ؛ لأخبروك أنه على ما نقول . وَإِنَّا لَصادِقُونَ على ذلك ؛ على ما ظهر لنا ؛ من استخراج الإناء من وعائه « 2 » والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً . فإن قيل : كيف قال لهم : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها ؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين ، ولا تركوا شيئا مما أمرهم به ؛ وليس هذا كالأول ؛ الذي قال لهم في أمر يوسف : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً . . . الآية ؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به ؛ والسعي على إهلاكه ، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين ، وأمّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف ، ولا ترك لأمره ؛ فكيف قال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً لكن يشبه أن يكون قال
--> ( 1 ) في أ : الوقت . ( 2 ) قال القرطبي : دلت هذه الآية على أن كل من كان على حق ، وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه ، أو يتوهم - أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه ، ويصرح بالحق الذي هو عليه ؛ حتى لا يبقى متكلم ، وقد فعل هذا نبينا - عليه الصلاة والسلام - بقوله للرجلين اللذين مرا ، وهو قد خرج مع صفية بنت حيى من المسجد : « على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيى » ؛ فقالا : سبحان الله ! وكبر عليهما ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّا . أو قال : شيئا » متفق عليه . فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه ، ولم يخبره بمكانه ، ويحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه ؛ ففيه معنى العقوق ، وقطيعة الرحم ، وقلة الشفقة ؟ فالجواب : أنه فعل ذلك بأمر الله - عزّ وجل - أمره به ليزيد في بلاء يعقوب ؛ فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين . وقيل : إنه لم يظهر نفسه لإخوته ؛ لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرا فيكتموه عن أبيه ، والأول أصح . ينظر : الجامع لأحكام القرآن ( 9 / 161 ) ، واللباب ( 10 / 187 ) .